فصل: تفسير الآية رقم (20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآيات (5- 6):

القول في تأويل قوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [5- 6].
{سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي: بيّنها لهم في كثير من آياته، تعريفاً يشوق كل مؤمن أن يسعى لها.

.تفسير الآية رقم (7):

القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [7].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي: الظفر والتمكين في الأرض، وإرث ديار العدو.

.تفسير الآيات (8- 9):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [8- 9].
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ} أي: خزياً وشقاءً. وأصله من السقوط على الوجه، كالكبِّ {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: جعلها على غير هدى واستقامة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ} أي: من الحق، وشايعوا ما ألفوه من الباطل {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} كعبادتهم لأوثانهم، حيث لم تنفعهم، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيراً.

.تفسير الآية رقم (10):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [10].
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم المكذّبة رسلها، الرادة نصائحها {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: ما اختص بهم، وكان لهم، يقال: دمّره بمعنى أهلكه، ودمّره عليه: أهلك ما يختص به من المال والنفس. فالثاني أبلغ، لما فيه من العموم، لجعل مفعوله نسياً منسياً، فيتناول نفسه، وكل ما يختص به. والإتيان بعلى؛ لتضمنه معنى أطبق عليه، أي: أوقعه عليهم محيطاً بهم، أو هجم الهلاك عليهم {وَلِلْكَافِرِينَ} يعني المكذّبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَمْثَالُهَا} أي: أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة.

.تفسير الآيات (11- 12):

القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [11- 12].
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} أي: لا ناصر لهم يدفع عنهم العذاب، إذا حاق بهم {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} أي: غير مفكّرين في المعاد، ولا معتبرين بسنة الله، كغفلة الأنعام عن النحر والذبح، فلا هم لهم إلا الاعتلاف دون غيره {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي: مأواهم بعد مماتهم.

.تفسير الآيات (13- 14):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [13- 14].
{وَكَأَيِّن} أي: وكم: {مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} يعني مكة، على حذف مضاف: {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: على برهان، وحجة، وبيان من أمر ربه، والعلم بوحدانيته، فهو يعبده على بصيرة منه {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} أي: فأراه إياه الشيطان حسناً، فهو مقيم عليه {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}.

.تفسير الآية رقم (15):

القول في تأويل قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} [15].
{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} أي: متغيّر الريح: {وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي: من القذى، وما يوجد من عسل الدنيا: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} أي: من فرط حرارته.
لطيفة:
{مَثَلُ الْجَنَّةِ} مبتدأ خبره: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ} بتقدير حرف إنكار ومضاف، أي: أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد. أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. فلفظ الآية، وإن كان في صورة الإثبات، هو في معنى الإنكار والنفي، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، وانسحاب حكمه عليه، وهو قوله: {أَفَمَن كَانَ} الخ، وليس في اللفظ قرينة على هذا، وإنما هو من السياق، وإن فيه جزالة المعنى، وثم أعاريب أخر، هذا أمتنها.

.تفسير الآية رقم (16):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [16].
{وَمِنْهُم} أي: ومن هؤلاء الكفار: {مَّن} أي: كافر منافق: {يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي: من الصحابة، استهزاء بما سمعوه من المتلو، وتهاوناً به: {مَاذَا قَالَ آنِفاً} أي: الساعة. هل فيه هدى؟ فإن بينوه لم يستفيدوا منه شيئاً {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: فلا يدخلها الهدى لإبائهم عنه: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} أي: آرائهم، لا ما يدعوا إليه البرهان.

.تفسير الآية رقم (17):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [17].
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا} أي: بإتباع الحق، والمشي مع الحجة: {زَادَهُمْ هُدًى} أي: بياناً لحقيقة ما جاءهم: {وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} أي: أعانهم عليها. أو آتاهم جزاء تقواهم، أو بين لهم ما يتقون.

.تفسير الآية رقم (18):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} [18].
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} قال ابن كثير: أي: أمارات اقترابها، كقوله تبارك وتعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} [النجم: 56- 57]، وكقوله جلت عظمته: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، وقوله سبحانه وتعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]، وقوله جل وعلا: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1]. فبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، لأنه خاتم الرسل، الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه، بما لم يؤته نبيّ قبله، كما هو مبسوط في موضعه.
وقال الحسن البصري: بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه صلى الله عليه وسلم أنه نبيّ التوبة، ونبيّ الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي.
روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بإصبعيه هكذا- بالوسطى، والتي تليها-: «بعثت أنا والساعة كهاتين».
{فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} أي: ذكرى ما قد ضيعوا وفرّطوا فيه من طاعة الله إذا جاءتهم الساعة. يعني: أن ليس ذلك بوقت ينفعهم فيه التذكر والندم؛ لأنه وقت مجازاة، لا وقت استعتاب واستعمال.

.تفسير الآية رقم (19):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [19].
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} قال ابن جرير: أي: فاعلم يا محمد أنه لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية ويجوز لك وللخلق عبادته، إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء. يدين له بالربوبية كل ما دونه. والفاء فصيحة في جواب شرط معلوم، مما مر من أول السورة إلى هنا، من حال الفريقين.
قال السيوطي: وقد استدل بالآية من قال بوجوب النظر، وإبطال التقليد في العقائد، ومن قال بأن أول الواجبات، المعرفةُ قبل الإقرار.
{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} قال ابن جرير: أي: وسل ربك غفران سالف ذنوبك وحادثها، وذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء. قال الشهاب: وإنما أعيد الجار؛ لأن ذنوبهم جنس آخر غير ذنب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذنوبهم معاص كبائر وصغائر، وذنبه ترك الأولى.
وقال السيوطي: استدل بالآية من أجاز الصغائر على الأنبياء. انتهى.
والمسألة مبسوطة بأقوالها، وما لها وما عليها في الفصل لابن حزم، فارجع إليه.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هزلي، وجدي، وخطاياي، وعمدي، وكل ذلك عندي».
وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت إلهي لا إله إلا أنت».
وفي الصحيح أنه قال: «يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} أي: متصرفكم فيما تتصرفون فيه، وإقامتكم على ما تقيمون عليه من الأقوال والأعمال، فيجازيكم عليه.

.تفسير الآية رقم (20):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} [20].
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} أي: تأمرنا بجهاد أعداء الله من الكفار {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} أي: مبيّنة لا تقبل نسخاً ولا تأويلاً {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ} أي الأمر بقتال المشركين: {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: شك في الدين، وضعف في اليقين: {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: من فزعهم، ورعبهم، وجبنهم من لقاء الأعداء. شبه نظرهم بنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره: {فَأَوْلَى لَهُمْ} قال الشهاب: اختلف فيه، بعد الاتفاق على أن المراد به التهديد، والوعيد، على أقوال:
فذهب الأصمعي إلى أنه فعل ماض بمعنى قارب. وقيل: قرّب بالتشديد، ففاعله ضمير يرجع لما علم منه، أي: قارب هلاكهم. والأكثر أنه اسم تفضيل من الولي، بمعنى القرب. وقال أبو علي: إنه اسم تفضيل من الويل. والأصل أويل، فقلب، فوزنه أفلع. وردّ بأن الويل غير متصرف، وأن القلب خلاف الأصل، وفيه نظر. وقد قيل: إنه فَعلى، من آل يؤول. وقال الرضي: إنه علم للوعيد، وهو مبتدأ، ولهم خبره. وقد سمع فيه أولاة بتاء تأنيث. وهو كما قيل، يدل على أنه ليس بأفعل تفضيل، ولا أفعل فُعلى، وأنه علم وليس بفعل، بل مثل أرمل وأرملة، إذا سمي بهما، فلذا لم ينصرف. ولا اسم فعل؛ لأنه سمع فيه أولاةٌ معرباً مرفوعاً، ولو كان اسم فعل بني. وفيه أن لا مانع من كون أولاة، لفظا آخر بمعناه، فلا يرد شيء منه عليهم أصلاً، كما جاء أول أفعل تفضيل، واسم ظرف كقبل، وسمع فيه أولة- كما نقله أبو حيان- فلا يرد النقص به كما لا يخفى. انتهى.
قال السمين: إذا قلنا باسميته. ففيه أوجه:
أحدهما- أنه مبتدأ، ولهم خبره، تقديره: فالهلاك لهم.
والثاني- أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب أو الهلاك أولى لهم، أي: أقرب وأدنى، ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء. أي: أولى وأحق لهم.
الثالث- أنه مبتدأ، ولهم متعلق به، واللام بمعنى الباء، وطاعة خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (21):

القول في تأويل قوله تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} [21].
{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} فيه أوجه:
أحدها- أنه خبر أولى على ما تقدم.
الثاني- أنها صفة السورة. أي: فإذا أنزلت سورة محكمة طاعة، أي: ذات طاعة، أو مطاعة. ذكره مكيّ، وأبو البقاء. وفيه بعد، لكثرة الفواصل.
الثالث- أنها مبتدأ، وقول عطف عليها، والخبر محذوف. تقديره: أمثل بكم من غيرهما. وقدّره مكيّ: منا طاعة، فقدّره مقدماً. الرابع- أن يكون خبر مبتدأ محذوف. أي: أمرنا طاعة.
الخامس- أن لهم: خبر مقدم، وطاعة: مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء يعرفان مما قدمته، فتأمل- أفاده السمين-.
{فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} أي: جد الحال، وحضر القتال: قال أبو السعود: أسند العزم، وهو الجد إلى الأمر، وهو لأصحابه، مجازاً. كما في قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، وعامل الظرف محذوف. أي: خالفوا وتخلفوا. وقيل ناقضوا. وقيل: كرهوا. وقيل: هو قوله تعالى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} على طريقة قولك: إذا حضرني طعام، فلو جئتني لأطعمتك. أي: فلو صدقوه تعالى فيمل قالوه من الكلام المنبئ عن الحرص على الجهاد، بالجري على موجبه: {لَكَانَ} أي: الصدق: {خَيْراً لَّهُمْ} أي: في عاجل دنياهم، وآجل معادهم. قيل: فلو صدقوه في الإيمان، وواطأت قلوبهم في ذلك ألسنتهم. وأيّاً ما كان، فالمراد بهم الذين في قلوبهم مرض، وهم المخاطبون بقوله تعالى: